محمد الغزالي
247
فقه السيرة ( الغزالي )
وقد نزل الوحي ينذر هؤلاء بسوء المنقلب : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ ( 12 ) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ ( 13 ) [ آل عمران ] . والآية الأخيرة تذكير بما وقع في بدر . طرد يهود بني قينقاع : وأول من كشف عن ضغنه ، وهزأ بالإسلام وأهله يهود بني قينقاع ، المقيمين داخل المدينة نفسها ، وكظم المسلمون غيظهم ، وانتظروا ما تتمخّض عنه الليالي من مكر اليهود . وسعى هؤلاء إلى حتفهم بظلفهم ، فقد حدث أنّ امرأة عربية قدمت بجلب لها « 1 » ، فباعته بسوق بني قينقاع ، وجلست إلى صائغ هناك ، فاجتمع حولها نفر من اليهود ، يريدونها على كشف وجهها فأبت ، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها وهي غافلة ، فعقده إلى ظهرها . فلما قامت انكشفت سوءتها ، وضحك اليهود منها ، وصاحت المرأة ، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله ، فشدّت اليهود على المسلم فقتلوه ، وهكذا طارت الشرارة ، ووقعت الحرب بين المسلمين وبني قينقاع . وكان ذلك في منتصف شوال في السنة الثانية من الهجرة . لجأ اليهود إلى حصونهم يقاتلون فيها ، ففرض الرسول صلى اللّه عليه وسلم عليهم الحصار ، وأحكمه خمس عشرة ليلة ، حتى اضطروا إلى التسليم ، ورضوا بما يصنعه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في رقابهم ونسائهم وذريتهم ، فلمّا أمكن اللّه منهم ، جاء عبد اللّه بن أبي فقال : يا محمد ! أحسن في مواليّ - وكانوا حلفاء الخزرج - فأبطأ عليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فكرّر ابن أبيّ مقالته : أحسن في مواليّ ، فأعرض عنه الرسول صلى اللّه عليه وسلم . فأدخل يده في جيب درعه ، فتغيّر لون النبي صلى اللّه عليه وسلم وقال له : « أرسلني » ، وغضب حتى رأوا لوجهه ظللا ، ثم أعاد أمره وهو مغضب : « أرسلني ويحك » ! قال ابن أبي : لا واللّه لا أرسلك حتى تحسن في مواليّ ، أربعمئة حاسر
--> ( 1 ) الجلب : كل ما يجلب إلى الأسواق ليباع بها .